عبد الملك الجويني
134
الشامل في أصول الدين
المتشابهين في جملة الصفات . فنخرج من ذلك أنا ، وإن ألزمنا هؤلاء المصير إلى التشبيه حجاجا ونظرا واستدلالا ، فلا نصفهم بحقيقة التشبيه ، وليس كل ما يلزم صاحب مذهب نظرا يجوز وصفه به بدءا . فإنا نلزم المعتزلة : الخروج إلى مذهب الدهرية في كثير من قواعد الدين ، ثم لا نجوز وصفهم بأنهم دهرية ، وهذه الطريقة أسد . فإن قيل : فهل تكفرون المجسمة ، وما تفصيل قولكم في ذلك ؟ قلنا : سنعقد في التكفير والتبري والتضليل ، وحكم المكفرين من المتأولين ، وحكم الضالين من أهل البدع والأهواء ، بابا في آخر الكتاب إن شاء اللّه . وسبيلنا أن نذكر حقيقة المثلين والخلافين والغيرين ، ونوضح المذاهب في هذه الأبواب ، ونؤثر الصحيح منها ونرد على سائرها . باب في حقيقة المثلين والخلافين اعلموا أرشدكم اللّه أن عبارات المتكلمين ومذاهبهم اختلفت في حقيقة المثلين . والذي صار إليه أهل الحق أن المثلين : كل شيئين سدّ أحدهما مسد الآخر فيما يجب ويجوز من الصفات . وربما عبر الأئمة عن ذلك فقالوا : المثلان : كل موجودين مستويين فيما يجوز من صفات الإثبات . وربما قالوا : هما الموجودان اللذان يجب لأحدهما ما يجب للثاني ، ويجوز له ما يجوز للثاني ، ويمتنع عليه ما يمتنع على الثاني . وجملة العبارات راجعة إلى محصول واحد ، وهي الاستواء في صفات النفس . فكل شيئين استويا في جميع صفات النفس ، فهما مثلان . وذهب الجبائي إلى أن المثلين هما المستويان في صفة النفس . وهذا يستند إلى أصل له في الصفات ، وذلك أنه يزعم : أن الصفات التي لا تثبت عن المعاني تنقسم إلى : صفة يقال فيها إنها صفة النفس ، وإلى صفة يقال فيها إنها تثبت لا للنفس ولا للمعنى ، وصفة نفس السواد [ ل ] كونه سوادا ، لا لكونه لونا أو عرضا [ أو ] شيئا من الصفات التي تحققت لا للنفس ولا للمعنى ، وسنعقد في شرح ذلك بابا في إثبات أحكام التماثل إن شاء اللّه . وذهب ابن الإخشيد ، من معتزلة البصرة ، إلى أن المثلين : هما المجتمعان في أخص الأوصاف . وإلى ذلك مال ابن الجبائي ومعظم المتأخرين من المعتزلة . ثم زعم هؤلاء أن الاجتماع في الأخص ، يوجب الاجتماع في سائر الأوصاف التي تثبت لا لمعنى . وذهب النجّار إلى أن المثلين : هما المجتمعان في صفة من صفات الإثبات ، إذا لم يكن أحدهما بالثاني . فاقتضى فحوى كلامه تماثل كل حادثين ، واحترز بقوله : إذا لم يكن